ألم الغياب

عبد السلام الأمير

 

لطالما تساءلت ماذا سيحدث عندما أموت، كيف سيرثي العالم هذه الروح المجهولة، ماذا سيتغير بموت هذه الروح، من سيبكيك من دواخله ويتمزق من فراقك ، بدأت أتجول في مراسم الدفن وأرى مشاهد مختلفة لما يحدث ، أناس يبكون وتحس بانه سيغمى عليهم ، والبعض الآخر يقف في صمت ، وآخرون يريدون أن تنتهي المراسم حتى يعودوا لممارسه بقيه نشاطاتهم ، اختلاف الدواخل واتفاق الحضور ، ثم بعد ان تم الدفن انتقلت الى منزلنا لأرى ماذا يحصل ، دخلت ورأيتها ، يا الهي ما هذا الحزن الذي يطوق قلبها، ما هذا الانكسار الذي يرى من مسافه بعيدة ، تمنيت لو انني استطيع احتضانها وأٌقبل رأسها ، لا تبكي لا يحق لهذا الوجه الملائكي أن يحزن ، أمي كم كنت غبيا عندما كنت اغيب عنك بالساعات والأيام ، كم كنت أعمى وانتِ امامي ، ليتني احتضنتك كل يوم وقبلت رأسك وسمعت جميع احاديثك ، ليتني اخبرتك انني احبك لدرجه لا تتخيلينها ولكني لا اعرف كيف أُظهر ذلك ، لم استطع ان امكث كثيرا امام هذا المشهد فهربت من الغرفة التي تجلس بها ، ثم رأت عيناي اختي العزيزة ، هذه أول مرة أرى اضمحلال ابتسامتها ، حتى في أسوأ الحالات كانت هذه الابتسامة لا تفارقها ، رفعت رأسها وكأنها تراني امامها ، تجمدت مكاني من ردة فعلها ، ثم تلا ذلك تنهيدة خافته مزقت ما بقي مني ،اختي اعرف انك ستتمنين لو كنتي مكاني من شده حبك لي ، كيف لا وانا اعرفك جيدا ، انتِ امي الثانية ، انتِ روح هذه الدار وبهجتها ، أتمنى ان يفارقك الحزن قريبا ، ثم واصلت سيري وإذا بي أرى أخي يجلس وحيدا يتمتم بكلام لا افهمه ، بدا وكأنه بالأربعين من عمره ، شاحب الوجه والتجاعيد تحيطه ، اثناء حياتي كنت اعامله كصديقي وتلميذي ، أحاول أن اجعله افضل ما يكون ، اصطحابه معي واحكي له عن الأخطاء التي ارتكبتها واندم عليها ، نتسامر ونضحك على بعضنا ، أحيانا كنت اقسو عليه عندما أكون غاضبا ولا استمع الى ما يقوله ، أنا أسف يا أخي فلتسامحني ، تملكني حزن عميق وهممت بالمغادرة فرأيت أبي ، لا أريد النظر إليه وهو بهذه الحالة ، صامتا لكن عيناه تتكلمان ، به كلام لا يستطيع البوح به ، كعادته يفضل إخفاء مشاعره ، احسست انه كان يتمنى لو يتحدث معي لأخر مرة ، أعلم أن علاقه الآباء والأبناء أساسها الاحترام القوي مع الرهبة ، وانهم يعتمدون على القسوة على الرجال لإظهار اهتمامهم وتقوية علاقتهم ، يتمنون ان يصبح ابناءهم افضل منهم ، يصقلون كل خبراتهم عليهم ، ويفضلون أن يتعاملوا بتعاطف لا يبدو ظاهرا ، سيمضي حزنك يا أبي ، ستعالجك الحياة وتمضي معها ، حولت نظري اتجاه المقاعد بالقرب من الباب الخارجي فرأيت أصدقائي يحاولون استيعاب ما يحصل ، تمنيت لو اني قمت بكتابه خطاب لكل فرد منهم اعبر به عن ما أشعر به اتجاههم ، لماذا تبدو الأشياء شديدة الوضوح بعد الموت ، لماذا يكون الانسان حريصا على الحزن اكثر من السعادة ، لماذا يستصغر نفسه واحلامه ، لماذا لا يرى ما في يديه وينظر الى ما ينقصه ، ينكسر من اصغر المشاكل ، لا يحسن استغلال الفرص ، هذه الفرص اشبه بلعبه الحظ (الليدو) ، تأتيك الفرصة واختيارات ستقررها انت ، واي قرار ستختاره سيؤثر على فرصتك في الربح ، قد تضطر التضحية في البداية والمتابعة ، ولكن هذه التضحية ستكون الشيء الذي يضمن لك الربح في النهاية ، أتمنى لو تمتعت بقليل من البصيرة قبل موتي ، لكن لكل شخص دور يؤديه في هذا المسرح ، وكما يقال يجب ان تستمر المسرحية مهما حصل .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s